أحمد بن سهل البلخي
435
مصالح الأبدان والأنفس
المعنيّ بمصالح بدنه ألّا يدع حظّه من الاستمتاع بالروائح الطيّبة ، فإنّ لها فعلا عجيبا في تقوية الروح والحرارة الغريزيّة / التي بها قوام الحياة ، والعليل إلى تقوية طبيعته بها أحوج من الصحيح ، وذلك عند عجزه عن الأخذ بالحظّ من أغذية المطاعم والمشارب ، لتنوب « 1 » عن بعض فعلها « 2 » ، في تقوية الإنسان . وإذا قصد الصحيح من أصحاب النعمة الاستمتاع بها ، فليس ينبغي أن يدمن ذلك ، وإن كان قادرا عليه ، بل الأصلح أن يجعل استمتاعه بها غبّا ، لمعنيين : أحدهما : أنّ المشمومات الطيّبة كلّها ذوات قوى مفرطة في الحرارة والبرودة ، فهي كثيرا ما تضرّ بمن يشمّ منها ما لا يوافقه في مزاج بدنه ، كما نرى شمّ الغالية « 3 » بفعله بأصحاب الحرارة ، وكما يفعله شمّ الكافور في أصحاب البرودة ؛ فإذا استدام الإنسان تشمّم أصناف الطيب والتبخّر بها لم يخل من أن يؤثّر في دماغه وقوى بدنه تأثيرا يعود بالضرر عليه . والآخر : أنّ حاسّة الشمّ إذا انغمست في الروائح الطيّبة كلّت ، وفترت اللّذّة منها ، وصار الإنسان بالإدمان / منها في محلّ الأخشم « 4 » الذي لا يجد الرائحة ألبتّة . ويعتبر ذلك من حال العطّارين الذين يعالجون صنعة الطيب ، فإنّ حواسّهم تمتلئ من الروائح ، حتى لا يكاد أحدهم يجد لشيء منها رائحة ، وهكذا حال الذين يدمنون شمّ الروائح المنتنة من الدباغين وغيرهم ، فإنّ حواسّهم تألف ذلك النتن حتى لا يكاد أحدهم يتأذّى به . وإذا تناول
--> ( 1 ) في أ : لتثور . والصواب من ب ، والمقصود : تنوب المشمومات . ( 2 ) أي : فعل الأغذية . ( 3 ) الغالية : طيبة مركبة من مسك وعنبر يجمعان بدهن البان ، والغالية - أيضا - الطيب المأخوذ من الحيوان المسمى : زبادا ( الرسالة الألواحية 233 ) . ( 4 ) الأخشم : هو الذي لا يكاد يشم شيئا ( القاموس المحيط خ ش م 2 / 1453 ) .